ابن الجوزي
306
كتاب ذم الهوى
والتحقيق : أن العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها ، فإذا قوي فكرها فيها تصورت حصولها وتمنّت ذلك ، فيتجدد من شدة الفكر مرض . فصل في ذكر مراتب العشق : أول ما يتجدّد الاستحسان للشخص ، ثم يجلب إرادة القرب منه ، ثم المودة ، وهو أن يود أن لو ملكه ، ثم يقوى الودّ فيصير محبة ، ثم يصير خلّة ، ثم يصير هوى ، فيهوي بصاحبه في محابّ المحبوب من غير تمالك ، ثم يصير عشقا ، ثم يصير تتيّما . والتّتيّم حالة يصير بها المعشوق مالكا للعاشق ، لا يوجد في قلبه سواه ، ومنه تيم اللّه . ثم يزيد التتيم فيصير ولها ، والوله : الخروج عن حدّ الترتيب ، والتعطّل عن أحوال التمييز . وقال بعض العلماء : أول مراتب العشق الميل إلى المحبوب ، ثم يستحكم الهوى فيصير مودة ، ثم تزيد بالمؤانسة ، وتدرس بالجفاء والأذى ، ثم الخلة ، ثم الصبابة ، وهي رقّة الشوق يولّدها الألفة ويبعثها الإشفاق ويهيجها الذكر ، ثم يصير عشقا ، وهو أعلى ضرب . فمبتدؤه يصفّي ويهذب العقل ، كما قال ذو الرياستين لأصحابه : اعشقوا ولا تعشقوا حراما ، فإن عشق الحلال يطلق اللسان العييّ ، ويرفع التّبلّد ، ويسخي كفّ البخيل ، ويبعث على النظافة ، ويدعو إلى الذكاء . فإذا زاد مرض الجسد ، فإذا زاد جرح القلب وأزال الرأي واستهلك العقل ، ثم يترقى فيصير ولها ، ويسمّى ذو الوله مدلّها ، ومستهاما ، ومستهترا ، وحيران ، ثم بعده التتيّم ، فيدعى متيّما . والتتيّم نهاية الهوى وآخر العشق . ومن التتيم يكون